علينا تعزيز طاقة السلام التي تحملها الأديان

الحوار بين الأديان تكبير الصورة (© وزارة الخارجية الالمانية)

يجب أن يصبح الحوار بين الأديان جزءاً من السياسة الخارجية للمجتمعات – مقال وزير الخارجية الألمانية زيجمار جابرييل الذي نشر في جريدة تاجيس شبيجل بتاريخ 21  آيار 2017

ترزح مدينة تدمر تحت الأطلال، لأن ما يسمى بالدولة الإسلامية تريد تدمير ذاكرة السوريين عن هويتهم الثقافية التي امتدت لآلاف السنين. بوكو حرام تقوم منذ سنوات بحروب دموية في شمال شرق نيجريا من أجل تأسيس خلافة إسلامية هناك. وفي ميانمار تتعرض الأقلية المسلمة "الروهينجا" للاضطهاد. بدءاً من باريس وحتى برلين يرتكب المعتدون هجمات شنعاء باسم الدين.

توضح جميع هذه الأمثلة كيف يتم تحميل الأزمات السياسية والاقتصادية بأسباب دينية زائفة، وكيف يُستخدم الدين بشكل مجرد على أنه ورقة توت للتغطية على أفعال شائنة. وهذا يهدد بحجب القوة الإيجابية التي تنطوي عليها الأديان: التغلب على الخوف والثقة في الرحمة والتراحم مع الآخرين. تنطوي الأديان على إدراك عميق للذنب والمغفرة والتآخي. تستطيع الطوائف الدينية الذود عن المساواة والعدالة في مجتمعاتهم بما خبرت هذه الطوائف منذ زمن طويل من حسن تقدير لمعنى الوقت، وهذا ضروري في العمل من أجل السلام. وهي لا تتوقف عند حدود القوميات.

عندما نقوم في 22 مايو/ آيار باستضافة عدد يزيد على مائة من ممثلي اليهودية والمسيحية والإسلام وكذلك ممثلي ديانات أخرى من أوروبا ومن الشرق الأدنى والأوسط ومن شمال وغرب أفريقيا في وزارة الخارجية الألمانية، فهي خطوة جديدة من نوعها. سوف نقوم للمرة الأولى بإجراء حوار وثيق ومطول مع ممثلي الأديان من جميع أنحاء العالم ومن ثم نضيف إلى بنيان سياستنا الخارجية في المجتمعات لبنة جديدة.

ما هي المسئولية التي تتحملها الطوائف الدينية والأديان في المجالات الاجتماعية المهمة؟ ماهي أفضل الممارسات وخاصة على الصعيد الاجتماعي والرعاية والتربية والعمل من أجل السلام؟ كيف يمكن الاستفادة على نحو أفضل من طاقة السلام التي تحث عليها الأديان في العالم؟ ما النماذج الموجودة للجهد الذي تبذله الطوائف الدينية في منع الصراعات ومن أجل الوساطة والمصالحة؟ ما المركز الذي يحتله العمل بين الديانات من أجل السلام؟ ما مدى قوة صوت الدين في الخطاب العام؟ هذه بعض القضايا التي نريد أن نتناولها بالنقاش المكثف.

المؤكد هو أن الدين له تأثير كبير ومُطَّرد عالمياً على المجتمع والسياسة. وهذا ما أستطيع تأكيده من خلال الخبرات التي اكتسبتها من محادثاتي وجولاتي الخارجية بعد مرور أشهر قليلة على تولي منصبي كوزير خارجية. والثابت أيضاً أن الدين له قدرة استقطابية ويُحمَّل مسئولية التخلف والتعصب والعنف وحتى الإرهاب. ومع ذلك، فإن من يذعِن فقط للصورة النمطية للدين، والتي مؤداها أن الدين دائماً يفاقم الصراعات، فهو يرتكب من وجهة نظري خطأ كبيراً.

لذا نريد من خلال مبادرتنا أن ننظر بوعي إلى طاقة السلام التي تنطوي عليها الأديان وإلى مسئوليتها تجاه السلام في المجتمعات، لأن هذه المهمة هي "العبء" الذي نود أن نتوجه به إلى الطوائف الدينية. ولأجل هذا جمعنا قسيسين وحاخامات وأئمة من جميع أنحاء العالم إلى المكان نفسه. لا يعنينا من هذا أن يكون مؤتمراً لحرية الأديان وهو أيضاً لن يدور حول القضايا الدينية المتخصصة، وإنما حول الطاقة المجتمعية التي تحملها الأديان المختلفة في الأقاليم الموجودة فيها.

لن نبدأ لتحقيق هذا الهدف من الصفر تماماً. بدأنا بالفعل اليوم نؤيد، على سبيل المثال، وضع حركة "سانت إيجيديو" الكاثوليكية العلمانية في حوار السلام في موزمبيق حيث يمكن للطوائف الدينية الوصول بشكل جيد إلى الناس مما يسمح لهم بإيجاد حلول ملموسة للتفاوض من أجل إنهاء العنف. ونحن نعمل أيضا مع دار الفتوى الإسلامي والباحثين في مجال السلام في مؤسسة بيرجوف ودعم الحوار بين السنيين للحيلولة دون التطرف في لبنان. ونحاول في نيجيريا مع مركز الحوار الإنساني معا للتوسط بين طوائف الشعب من المسيحيين والمسلمين.

إن رؤية الكنائس والطوائف الدينية توسّع نطاق تحليلنا للسياسة الخارجية وخيارات للعمل، إنها جزء من الذكاء الثقافي الذي نحتاج إليه إذا أردنا أن نفهم أحلام وصدمات المجتمعات الأخرى. ولذلك، فإننا نسعى من خلال هذا المؤتمر لبناء شبكة تواصل تكون أيضا بمثابة نظام للإنذار المبكر وأساس للمناقشات دون وساطة.

هذا الانفتاح في سياستنا الخارجية للحصول على دفعات من جانب المجتمع المدني هو أيضا جزء من إعادة الهيكلة الاستراتيجية للعلاقات الثقافية والتعليمية الخارجية منذ بداية هذه الدورة التشريعية – حيث نبتعد عن السياسة الخارجية بين الدول ونتجه نحو السياسة الخارجية للمجتمعات. في عالم مليء بالصراعات ذات التوجه الديني الزائف تكتسب هذه السياسة أهمية أكبر من أي وقت مضي.